وقوله - تعالى -: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) . أي: وإن تؤمنوا بما أمرتم الإيمان به وتتقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره - (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) : جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجرًا؛ إذ لا أحد يعمل لنفسه ويأخذ الأجر من غيره؛ لأنهم بالأعمال يسقطون عن أنفسهم التكليف بالشكر لنعم اللَّه - تعالى - حيث أسدى عليهم النعم ابتداء، لكنه جعل لأعمالهم أجرًا كأنهم يعملون له ابتداء، وإن كانوا عاملين لأنفسهم في الحقيقة، وإليه ترجع منافع أعمالهم، ولأن أنفسهم وأموالهم - في الحقيقة - لله - تعالى - فكيف يستحقون الأجر على مولاهم بأعمالهم؟ وهذا كما ذكرنا من الإقراض له والاستدانة منه كأنه لا ملك له في ذلك، وأن ليس له ذلك، وإن كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله - تعالى - فضلا منه وكرمًا، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: ليس يسألكم الإنفاق من أموالكم، وإنما يسألكم من ماله يستمتعوا بمال غيره لأنفسكم وتجعلون ذخرًا لأنفسكم غير (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) ، أي: لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم وتركتم الإنفاق منها.
والثاني: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) . أي: ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم، ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ ...(37) . أي: لو يسألكم جميع أموالكم، لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق، فإن يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلماذا بخلتم وتركتم الإنفاق؟!
وقوله: (فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) . يخرج من وجوه:
أحدها: أي: يحملكم على البخل لو سألكم جميع الأموال.