فحين بغى فرعون على بني إسرائيل، واستطال بجبروت الحكم والسلطان، وحين بغى قارون عليهم، واستطال بجبروت العلم والمال، فكانت النهاية واحدة.
هذا خسف الله به وبداره الأرض، وذلك أخذه اليم هو وجنوده، فلما لم تكن هناك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة فحينذاك نصر الله أولياءه مباشرة فوضع حداً للبغي والفساد، حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد.
فدل هذا على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد، ويقف الخير عاجزاً حسيراً ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال، عندئذ تنزل نصرة الله صريحة متحدية بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حداً للشر والفساد، وتضرب الظلم والطغيان والبغي ضربة مباشرة عندما يعجز عن ضربها البشر، وتنصر المستضعفين الذين لا حول لهم ولا قوة، وتمكن للمعذبين الذين لا حيلة لهم ولا وقاية: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ
كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) [الحج: 38، 39] .
إن هذا ما يجب أن يعلمه كل مجاهد في سبيل الله وكل داع إليه، وهو ما تجهله الكثرة المشركة الباغية الطاغية.
ففرعون طغى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) } [القصص: 39، 40] .
أما قارون فقد جاء أمر الله مباشرة في إهلاكه، فخسف الله به وبداره الأرض، ولم يغن عنه ماله ولا علمه، كما أغرق الله فرعون، فألقاه في اليم هو وجنوده: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) } [القصص: 81] .
وهكذا انتهى سلطان العلم والمال مع البغي والبطر والاستكبار بالبوار، كما انتهى سلطان الحكم والجبروت والعلو في الأرض.