وقد دعا نوح - صلى الله عليه وسلم - قومه إلى الإسلام، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكذبوه وما آمن معه إلا قليل، ولما لم يجد منفذاً إلى تلك القلوب الجامدة المتحجرة، وسخروا منه وآذوه، وأوحي إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، عندئذ توجه بالدعاء إلى ربه وحده، يشكو إليه ما لقيه من تكذيب: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) } [القمر: 9 - 15] .
إنه عندما يتجمد الأحياء على هذا النحو، وتقسوا قلوبهم إلى هذا الحد، وتهم الحياة بالحركة إلى الأمام في طريق الكمال المرسوم فتجدهم عقبة في الطريق،
عندئذ إما أن تتحطم هذه المتحجرات، وإما أن تدعها الحياة في مكانها وتمضي، والأمر الأول هو الذي حدث لقوم نوح.
ذلك أنهم كانوا في فجر البشرية، وفي أول الطريق، فشاءت إرادة الله أن تطيح بهم من أول الطريق: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) } [المؤمنون: 27] .
وهكذا شاءت إرادة الله، ومضت سنة الله في تطهير الطريق من العقبات المتحجرة، لتمضي الحياة في طريقها المرسوم، وأراد الله أن يكون العلاج هو الطوفان الذي يجتث كل شيء، ويجرف كل شيء، ويغسل التربة، لتعاد بذرة الحياة السليمة من جديد، وجعل الله الفلك وسيلة للنجاة من الطوفان، وحفظ بذور الحياة السليمة كيما يعاد بذرها من جديد.