وقال تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}
فهذه هداية بعد قتلهم.
فقيل: المعنى سيهديهم إلى طريق الجنة ويصلح حالهم في الآخرة بإرضاء خصومهم وقبول أعمالهم
وقال ابن عباس سيهديهم إلى أرشد الأمور ويعصمهم أيام حياتهم في الدنيا.
واستشكل هذا القول لأنه أخبر عن المقتولين في سبيله بأنهم سيهديهم.
واختاره الزجاج وقال:"يصلح بالهم في المعاش وأحكام الدنيا"
قال:"وأراد به يجمع لهم خير الدنيا والآخرة"
وعلى هذا القول فلا بد من حمل قوله {قتلوا في سبيل الله} على معنى يصح معه إثبات الهداية وإصلاح البال.
(فصل: في ذكر معرفتهم لمنازلهم ومساكنهم إذا دخلو الجنة وإن لم يروها قبل ذلك)
قال تعالى {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}
قال مجاهد:"يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلوا عليها أحدا"
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح:"هم أعرف بمنازلهم من أهل الجنة إذا انصرفوا إلى منازلهم"
وقال محمد بن كعب:"يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا إذا انصرفتم من يوم الجمعة"هذا قول جمهور المفسرين وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة عرفها لهم أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال
وقال مقاتل ابن حيان:"بلغنا أن الملك الموكل بحفظ بني آدم يمشي في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتيه أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا دخل إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه"
وقال سلمة بن كهيل:"طرقها لم ومعنى هذا أنه طرقها لهم حتى يهتدوا إليها"
وقال الحسن:"وصف الله الجنة في الدينا لهم فإذا دخلوها عرفوها بصفتها."
وعلى هذا القول فالتعريف وقع في الدنيا، ويكون المعنى يدخلهم الجنة التي عرفها لهم.
وعلى القول الأول يكون التعريف واقعا في الآخرة.
هذا كله إذا قيل إنه من التعريف.
وفيها قول آخر أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة.
وهذا اختيار الزجاج أي طيبها ومنه طعام معرف أي مطيب.
وقيل: هو من العرف وهو التتابع: أي تابع لهم طيباتها وملاذها.
والقول هو الأول وأنه سبحانه أعلمها وبينها بما يعلم به كل أحد منزله وداره فلا يتعداه إلى غيره.