روي عن بعضهم أنه قال: كنت واقفاً على رأس الحجاج حين أتِيَ بالأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل مِن كِنْدة فقال: يا حجاج ، لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا! قال: ولمَ ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} في حق الذين كفروا ؛ فوالله! ما مَنَنْتَ ولا فَدَيْتَ؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ...
إذا أثقل الأعناقَ حِملُ المغارم
فقال الحجاج: أفٍّ لهذه الجِيَف! أمَا كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلاما؟ خَلُّوا سبيل من بقي.
فَخُلِّيَ يومئذ عن بقية الأسرى ، وهم زهاء ألفين ، بقول ذلك الرجل.
الثالثة واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال:
الأوّل أنها منسوخة ، وهي في أهل الأوثان ، لا يجوز أن يفادوا ولا يُمَنّ عليهم.
والناسخ لها عندهم قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] وقوله: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال: 7 5] وقوله: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} [التوبة: 6 3] الآية ؛ قاله قتادة والضحاك والسدّي وابن جُرَيج والعَوْفِي عن ابن عباس ، وقاله كثير من الكوفيين.
وقال عبد الكريم الجَوْزِيّ: كُتب إلى أبي بكر في أسير أسِر ، فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا ؛ فقال اقتلوه ، لَقَتْلُ رجلٍ من المشركين أحبّ إليّ من كذا وكذا.
الثاني أنها في الكفار جميعاً.
وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر ، منهم قتادة ومجاهد.