وَكَانَ يَكْرَهُ الْأَمْكِنَةَ الْمُنْكَرَةَ الْأَسْمَاءِ وَيَكْرَهُ الْعُبُورَ فِيهَا، كَمَا مَرَّ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَسَأَلَ عَنِ اسْمَيْهِمَا، فَقَالُوا: فَاضِحٌ وَمُخْزٍ، فَعَدَلَ عَنْهُمَا، وَلَمْ يَجُزْ بَيْنَهُمَا.
وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ مِنَ الِارْتِبَاطِ وَالتَّنَاسُبِ وَالْقَرَابَةِ مَا بَيْنَ قَوَالِبِ الْأَشْيَاءِ وَحَقَائِقِهَا، وَمَا بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ عَبَرَ الْعَقْلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ كَمَا كَانَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ يَرَى الشَّخْصَ، فَيَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَلَا يَكَادُ يُخْطِئُ، وَضِدُّ هَذَا الْعَبُورُ مِنَ الِاسْمِ إِلَى مُسَمَّاهُ كَمَا سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا عَنِ اسْمِهِ، فَقَالَ: جمرة، فَقَالَ: وَاسْمُ أَبِيكَ؟ قَالَ: شهاب، قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ، قَالَ: فَمَنْزِلُكَ؟ قَالَ: بِحَرَّةِ النَّارِ، قَالَ: فَأَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظَى، قَالَ: اذْهَبْ فَقَدِ احْتَرَقَ مَسْكَنُكَ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ الْأَمْرَ كَذَلِكَ.
فَعَبَرَ عمر مِنَ الْأَلْفَاظِ إِلَى أَرْوَاحِهَا وَمَعَانِيهَا، كَمَا عَبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اسْمِ سُهَيْلٍ إِلَى سُهُولَةِ أَمْرِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ بِتَحْسِينِ أَسْمَائِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِهَا، وَفِي هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْسِينِ الْأَفْعَالِ الْمُنَاسِبَةِ لِتَحْسِينِ الْأَسْمَاءِ؛ لِتَكُونَ الدَّعْوَةُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ، وَالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لَهُ.