فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره.
وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا) ، ثم حذف المضاف.
فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم ، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره.
والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليك قبلك رسلاً من رسلنا ، فحذف"إليه"لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد: المشركون . وحذف رسلاً لأن {مِن رُّسُلِنَآ} يدل عليه كما قال:
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ .
أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش ، وحذف"إليه"عند أهل العربية بعيد في القياس.
وقيل: المعنى:"سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك".
ويتم الكلام على"رسلنا"و"عن"محذوفة ، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار ، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله.
وأخبر الآلهة كما يخبر عمن ، فقال:"يعبدون"ولم يقل"تعبد"ولا"يعبدون"، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل .
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العالمين} ، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك . فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين.
فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون ، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد.
وهذا كله تسلية وتصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على ما ناله من قومه ، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: {فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل} [الأحقاف: 35] .