-عز وجل -: إنه ليبلغ من تزيينهم الضلال إلى قرنائهم من الإنس أنهم يصدون عن السبيل
وهم يحسبون أنهم مهتدون، يرونهم الحق في معرض الباطل والهدى في معرض
الضلال، وبالغ هذا الدرك قد ضعف الرجاء في هدايته، كيف يهتدي من يعتقد أنه
هو المهتدي؛ ومفهوم هذا أنه من وإلى الله ورسوله والذين آمنوا، وتابع التذكر
والذكر والتفكر في كتاب الله وآياته قُيَض له ملك وربما ملائكة، فهم له قرناء
يلهمونه الذكر والعمل بطاعة الله وطلب رضوانه، ويكون له عند الموت وبعده، كما
يقولون صلوات الله وسلامه على جميعهم:(نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآخِرَةِ)المعنى.
قوله تعالى (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ(39)
انتظم هذا بما قبله من ذكر القرنين، فخاطب بهذا كل مقترن،
وخطاب ما أبلغه وموعظة ما أوجعها للقلوب الحية، وينتظم هذا وهذا بما قبل وهم
المعنيون في قوله: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) إلى قولهم: (إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي
قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا) المعنى إلى آخره
قوله عز من قائل: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ
الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) . هذا منتظم بما تقدم له من مخاطبته إياه
(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)
أي: شرف لك ولهم في الدنيا، وذكر يورثهم ثواب الآخرة،
لم يعن - وهو أعلم - أن يسأل الرسل وقد ذهبوا، ولا أن يسأل المرسل إليهم،
فإنهم قد ضلوا عن هدايتهم واختلفوا من بعد العلم الذي جاءهم، فليسوا على ذلك
بشهداء ولا بموثوقين عن أدائها، ولو سألهم فأخبروه بما ليس عنده لم يسعه أن
ترك ما هو عليه إلى ما هو عندهم، بهذه أمره - عز وجل - في قوله: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ