فإن قلت: فهو كلام متناقض ، لأن معناه: ما من آية من التسع إلا وهي أكبر من كل واحدة منها ، فتكون كل واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة ، قلت: الغرض بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر ، لا يكدن يتفاوتن فيه ، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل وتتقارب منازلهم فيه التقارب اليسير ، إن تختلف آراء الناس في تفضيلها فيفضل بعضهم هذا وبعضهم ذاك ، فعلى هذا بنى الناس كلامهم فقالوا: رأيت رجالاً بعضهم أفضل من بعض ، وربما اختلفت آراء الرجال الواحد فيها ، فتارة يفضل هذا ، وتارة يفضل ذاك ، ومنه بيت الحماسة:
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ...
مثل النجوم التي يسري بها الساري
وقد فاضلت الأنمارية بين الكملة من بنيها ثم قالت: لما أبصرت مراتبهم متدانية قليلة التفاوت ، ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة ، لا يدري أين طرفاها.
انتهى ، وهو كلام طويل ، ملخصه: أن الوصف بالأكبرية مجاز ، وأن ذلك بالنسبة إلى الناظرين فيها.
وقال ابن عطية: عبارة عن شدة موقعها في نفوسهم بحدة أمرها وحدوثه ، وذلك أن آية عرضها موسى ، هي العصا واليد ، وكانت أكبر آياته ، ثم كل آية بعد ذلك كانت تقع فيعظم عندها مجيئها وتكبر ، لأنهم كانوا نسوا التي قبلها ، فهذا كما قال الشاعر:
على أنها تعفو الكلوم وإنما ...
يوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
وذهب الطبري إلى أن الآيات هنا الحجج والبينات. انتهى.
وقيل: كانت من كبار الآيات ، وكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها ؛ فعلى هذا يكون ثم صفة محذوفة ، أي من أختها السابقة عليها ، ولا يبقى في الكلام تعارض ، ولا يكون ذلك الحكم في الآية الأولى ، لأنه لم يسبقها شيء ، فتكون أكبر منه.
وقيل: الأولى تقتضي علماً ، والثانية تقتضي علماً منضماً إلى علم الأولى ، فيزداد الرجوح.
وكنى بأختها: مناسبتها ، تقول: هذه الذرة أخت هذه ، أي مناسبتها.