وذكر صاحب النظم وجهًا حسنًا وهو: أن يكون تمام الكلام عند قولى: أم، وقوله: (أنا خير) فصل آخر مبتدأ، على تأويل: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكيف ذكر (تبصرون) اكتفاء بذكره في قوله: (أفلا تبصرون) كما يقال في الكلام: أتاكل أم لا، فسكت على الاكتفاء بما قبله من ذكر الأكل، وكذلك يكون إذا قدمت النفي فتقول: ألا تأكل أم تأكل، ثم يكف، ذكر تأكل بعد (أم) اكتفاء بذكره في أول الكلام، فكذلك قوله: أفلا تبصرون أم تبصرون، فكف ذكر (تبصرون) عند (أم) لجري ذكره، وهذا معنى قول مجاهد: أم تام يقف، ثم أنا خير أفلا تبصرون أم قد أبصرتم.
وقوله: {أَنَا خَيْرٌ} قال مقاتل: أفضل {مِنْ هَذَا} يعني: موسى {الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} يعني: ضعيف ذليل، وقال الكلبي: ضعيف في بدنه، وقال الليث: رجل مهين صغير ضعيف.
وقال الزجاج: معنى مهين قليل، يقال: شيء مهين أي: قليل، وهو
فعيل من المهانة.
قوله تعالى: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} قال ابن عباس: لا يبين الكلام، وقال الكلبي: لا يكاد يبين حجته، وقال قتادة والسدي: آفة بلسانه، وقال الزجاج: يعني اللثغة التي كانت بلسان موسى.
فإن قيل: أليس موسى سأل الله أن يذهب الرُّتَّةَ من لسانه بقوله: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27 - 28] أعطاه ذلك بقوله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه: 36] فكيف عابه فرعون باللثغة؟ والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن فرعون أراد: لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد أنه لا يوضح ما يتكلم به، وهذا كذب من فرعون وعناد بعد ما رأى من الآية، هذا معنى قول مقاتل.
والجواب الثاني: عابه مما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون دهرًا وهو ألثغ لا يكاد يبين، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرُّتَّةَ.