الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} مِنَ الْقِبْطِ، فَـ {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنْ تَحْتِي} مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ فِي الْجِنَّانِ.
وَقَوْلُهُ: {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
يَقُولُ: أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْخَيْرِ، وَمَا فِيهِ مُوسَى مِنَ الْفَقْرِ وَعِيِّ اللِّسَانِ، افْتَخَرَ بِمُلْكِهِ مِصْرَ عَدُوُّ اللَّهِ، وَمَا قَدْ مُكِّنَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا اسْتِدْرَاجًا مِنَ اللَّهِ لَهُ، وَحَسِبَ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ نَالَهُ بِيَدِهِ وَحَوْلَهُ، وَأَنَّ مُوسَى إِنَّمَا لَمْ يُصَلِ إِلَى الَّذِي يَصِفُهُ، فَنَسَبَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إِلَى الْمَهَانَةِ مُحْتَجًّا عَلَى جَهَلِةِ قَوْمِهِ بِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ كَانَ مُحِقًّا فِيمَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سِحْرًا، لِأَكْسِبَ نَفْسَهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالنِّعْمَةِ، مِثْلَ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ جَهْلًا بِاللَّهِ وَاغْتِرَارًا مِنْهُ بِإِمْلَائِهِ إِيَّاهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) }
يَقُولُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ بَعْدَ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ بِمُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَبَيَانِ لِسَانِهِ وَتَمَامِ خَلْقِهِ وَفَضْلِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوسَى بِالصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ وَمُوسَى: أَنَا خَيْرٌ أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَصِفَتِي هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفْتُ لَكُمْ، {أَمْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} لَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالْأَمْوَالِ مَعَ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي جَسَدِهِ، وَالْآفَةِ الَّتِي بِلِسَانِهِ، فَلَا يَكَادُ مِنْ أَجْلِهَا يُبِينُ كَلَامَهُ؟ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {أَمْ} فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهَا: بَلْ أَنَا خَيْرٌ، وَقَالُوا ذَلِكَ خَبَرٌ لَا اسْتِفْهَامٌ.
وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ»