ثم قال: {فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ} والمراد أن عادة القوم جرت بأنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب ، فطلب فرعون من موسى مثل هذه الحالة ، واختلف القراء في أسورة فبعضهم قرأ أسوِرَة وآخرون أساورة فأسورة جمع سوار لأدنى العدد ، كقولك حمار وأحمرة وغراب وأغربة ، ومن قرأ أساورة فذاك لأن أساوير جمع أسوار وهو السوار فأساورة تكون الهاء عوضاً عن الياء ، نحو بطريق وبطارقة وزنديق وزنادقة وفرزين وفرازنة فتكون أساورة جمع أسوار ، وحاصل الكلام يرجع إلى حرف واحد وهو أن فرعون كان يقول أنا أكثر مالاً وجاهاً ، فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه رسولاً من الله ، لأن منصب النبوة يقتضي المخدومية ، والأخس لا يكون مخدوماً للأشرف ، ثم المقدمة الفاسدة هي قوله من كان أكثر مالاً وجاهاً فهو أفضل وهي عين المقدمة التي تمسك بها كفار قريش في قولهم {لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] ثم قال: {أَوْ جَاء مَعَهُ الملئكة مُقْتَرِنِينَ} يجوز أن يكون المراد مقرنين به ، من قولك قرنته به فاقترن وأن يكون من قولهم اقترنوا بمعنى تقارنوا ، قال الزجاج معناه يمشون معه فيدلون على صحة نبوته.
ثم قال تعالى: {فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} أي طلب منهم الخفة في الإتيان بما كان يأمرهم به فأطاعوه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين} حيث أطاعوا ذلك الجاهل الفاسق {فَلَمَّا ءاسَفُونَا} أغضبونا ، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له أتغضب يا أبا خالد ؟ فقال قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله يقول {فَلَمَّا ءاسَفُونَا} أي أغضبونا.