وبقوله: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17] يشير إلى زجرهم عن طول الأمل وينبئهم على انتظار الأجل وهجومه، {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} [الشورى: 18] إنكاراً وجحوداً واستهزاءاً وتكذيباً بها، {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} [الشورى: 18] بالغيب {مُشْفِقُونَ مِنْهَا} [الشورى: 18] من أحكام الآخرة، ويكلون أمرهم إلى الله فلا يتمنون الموت حذار الابتلاء، ولكن إذا أراد الموت لم يكرهوه {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} [الشورى: 18] فيستعدون له {أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فَي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} [الشورى: 18] ؛ أي: ضلالة بعيدة لأنه أزلي، {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى: 19] فلطفه من وجهين: أحدهما لطف الفطرة التي فطر الناس عليها في أحسن تقويم مستعداً لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة، ولطف الجذبة للوصلة، وأيضاً لطيف بعباده بأن جعلهم عباده لا عباد الدنيا ولا عهباد النفس والهوى والشيطان، {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 19] بلطفه الوصول والوصال، {وَهُوَ الْقَوِيُّ} [الشورى: 19] في إيصال العباد إلى الحضرة، {الْعَزِيزُ} [الشورى: 19] ، بأنهم {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255] وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه في الإحسان بالأمور الدينية، خاطب العابدين بقوله: {لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} [الشورى: 19] ؛ أي: بعمل غوامض أحوالكم من وفيق الرياء والتصنع لئلا يعجبوا بأحوالهم وأعمالهم، وخاطب العصاة بقوله: {لَطِيفٌ} لئلا ييأسوا من إحسانه، وخاطب الفقراء بقوله: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 19] ؛ أي: أنه يحسن بكم، وخاطب الأغنياء بقوله: {لَطِيفٌ} ؛ ليعلموا أنه يعلم دقائق معاملاتهم في جمع المال من غير وجهة بنوع تأويل، ومن لطفه بعباده: أنه جعلهم مظهر صفات لطفه، أنه عرفهم أنه لطيف ولولا لطفه ما عرفوه، أنه زين أسرارهم بأنوار