فغاية مَا كَانَ يحذر ويخشى من ذبح وَلَده انْقِطَاع نَسْله، فَلَمَّا بذل وَلَده لله وبذل الْوَلَد نَفسه ضاعف الله لَهُ النَّسْل وَبَارك فِيهِ وَكثر حَتَّى ملؤا الدُّنْيَا وَجعل النُّبُوَّة وَالْكتاب فِي ذُريَّته خَاصَّة وَأخرج مِنْهُم مُحَمَّدًا وَقد ذكر أن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام أراد أن يعلم عدد بني إِسْرَائِيل فَأمر بإحضارهم وَبعث لذَلِك نقباء وعرفاء وأمرهم أن يرفعوا إليه مَا بلغ عَددهمْ فَمَكَثُوا مُدَّة لَا يقدرُونَ على ذَلِك فَأوحى الله إِلَى دَاوُد أن قد علمت إني وعدت أَبَاك إِبْرَاهِيم لما أَمرته بِذبح وَلَده فبادر إلى طَاعَة أمري أن أبارك لَهُ فِي ذُريَّته حَتَّى يصيروا فِي عدد النُّجُوم واجعلهم بِحَيْثُ لَا يُحْصى عَددهمْ وَقد اردت أن يُحْصى عددا قدرت أنه لَا يُحْصى وَذكر بَاقِي الحَدِيث فَجعل من نَسْله هَاتين الأمتين العظيمتين اللَّتَيْنِ لَا يُحْصى عَددهمْ إلا الله خالقهم ورازقهم، وهم بَنو إِسْرَائِيل وَبَنُو إسمايعل هَذَا سوى مَا أكْرمه الله بِهِ من رفع الذّكر وَالثنَاء الْجَمِيل على السّنة جَمِيع الأمم وَفِي السَّمَاوَات بَين الْمَلَائِكَة فَهَذَا من بعض ثَمَرَة مُعَامَلَته فتبا لمن عرفه ثمَّ عَامل غَيره مَا اخسر صفقته وَمَا أعظم حسرته.
[فَصْلٌ: كَمَالُ الْمَحَبَّةِ]
ثُمَّ الْخُلَّةُ وَهِيَ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْمَحَبَّةِ وَنِهَايَتَهَا، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ سَعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، وَهِيَ مَنْصِبٌ لَا يَقْبَلُ الْمُشَارَكَةَ بِوَجْهٍ مَا، وَهَذَا الْمَنْصِبُ خَاصٌّ لِلْخَلِيلَيْنِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا -: إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ، كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ»