فهذا المفرط سأل ربه الرجعة ليستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه، وسلطانه وقوته، وأملاكه وأسبابه، فيقال له كلا، لا سبيل لك إلى الرجعى؛ لأن الله يعلم أنه لو رجع فإن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحاً لو أجيب، وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه لا بقلبه: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) } ... [الأنعام: 28] .
وكل أحد من مسلم وكافر سوف يسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا هل ناله
من حلال أم حرام؟ فإذا تخلص من هذا السؤال سئل سؤالاً آخر: هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم على معصيته؟.
فالأول سؤال عن كسبه، والثاني سؤال عن محل مصرفه.
والنفوس الشريفة العلوية إنما تكاثر بما يدوم نفعه، وما تزكو به وتكمل، وتصير مفلحة، فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة، ويسابقها إليها.
فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد، وضده تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم من المراكب والمساكن، والمطاعم والمشارب ونحوها، فهذا تكاثر مُلْهٍ عن الله والدار الآخرة، وهو صائر إلى غاية القلة.
فعاقبة هذا التكاثر قِلّ وفقر، وحرمان وأحزان.
إن أمر البعث هو دائماً مشكلة العقيدة عند كثير من الأقوام، منذ أن أرسل الله رسله للناس يأمرونهم بعبادة الله وحده، ويخوفونهم حساب الله يوم البعث والحساب.
فالمشركون من قريش أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) } [النحل: 38] .
فهم يقرون بوجود الله، ولكنهم ينفون عنه بعثه الموتى من القبور، يرون هذا البعث أمراً عسيراً بعد الموت والبلى، وتفرق الأوصال والأشلاء.
وغفلوا عن الخلق الأول مَنْ خلقه؟: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) } [ق: 15] .
وغفلوا عن قدرة الرب؟