وقوله: (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)
أي: لو فعلت ذلك فإذن كنت في ضلال مبين، فذكر أنه لما قال لهم ذلك أمر بقتله، فعند ذلك قال: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ(25) . يحتمل قوله: (فَاسْمَعُونِ) . أي: أجيبوني في قولي: (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَاسْمَعُونِ) ، أي: اشهدوا لي.
ويحتمل قوله: (فَاسْمَعُونِ) حقيقة السماع، أي: اسمعوا قولي وإيماني، لا يمنعني عنه ما تخوفونني، واللَّه أعلم.
وقوله: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ...(26)
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي أوجبت له الجنة وما ذكر للشهداء وأُري الثواب؛ فقال عند ذلك: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي...) الآية.
ويحتمل دخول الجنة ما ذكر للشهداء: (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169) فَرِحِينَ) الآية.
أو أن يكون قوله: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) وأن يقال له في الآخرة كقوله لعيسى ابن مريم: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي) ، وإنما هو أن يقال له يومئذ؛ فعلى ذلك يحتمل الأول.
وقوله: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(27)
قيل: إنه نصحهم حيًّا وميتًا، ولم يترك نصحهم لمكان ما عملوا وفعلوا به من السوء وأنواع التعذيب، ولكن تمنى أن ليت قومي أن يكونوا يعلمون ما أعطي هو بالإيمان بربه والتصديق برسله؛ ليعطوا مثل ما أعطي هو، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يترك النصيحة لجملة المؤمنين، وإنْ لحقه منهم أذى أو سوء.
وقال قتادة: ولا يلقى المؤمن إلا ناصحًا، ولا يلقى غاشًّا؛ لما عاين ما عاين من كرامة اللَّه، قال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) تمني واللَّه أن يعلم قومه ذلك؛ ليعلموا أن أهل الإيمان ليسوا بأهل غش ولا نذالة لعباده.