ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ، فشبه تبرأ الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ، وذاك أنه لما كانت هوادي الصبح عند طلوعه ملتحمةً بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن لو قيل:"يخرج"؛ لأن السلخ أدل على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في غاية المناسبة.
{وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) }
فقوله: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} ، ليس تقديم المفعول فيه على الفعل من باب الاختصاص، وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام، فإنه قال: {اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ، ثم قال: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي} ، فاقتضى حسن النظم أن يقول: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ} ؛ ليكون الجميع على نسق واحد في النظم، ولو قال: وقدرنا القمر منازل لما كان بتلك الصورة في الحسن.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) }
الضرب الحادي عشر: وهو حذف جواب"إذا"
فمما جاء منه قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} .
ألا ترى كيف حذف الجواب عن"إذا"في هذا الكلام، وهو مدلول عليه بقوله: {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ، كأنه قال: وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا، ثم قال: ودأبهم الإعراض عن كل آية وموعظة. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...