وذكرُ الأيدي وإسنادُ العمل إليها استعارةٌ تفيد مبالغة في الاختصاص، والتَّفردِ بالإحداث والاعتناء به {أنعاما} مفعولُ خلقنَا وتأخيره عن الجارَّينِ المتعلِّقين به مع أنَّ حقَّه التَّقدمُ عليهما لما مرَّ مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر، فإنَّ ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً لهُ فيتمكنُ عندَ ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ لا سيما عند كونِ المقدم منبئاً عن كونِ المؤخَّر أمراً نافعاً خطيراً كما في النَّظمِ الكريم، فإنَّ الجارَّ الأول المُعربَ عن كون المؤخَّرِ من منافعهم، والثَّاني المفصح عن كونه من الأمورِ الخطيرةِ يزيدان النَّفسَ شوقاً إليه ورغبةً فيه، ولأنَّ في تأخيره جمعاً بينه وبين أحكامِه المتفرعة عليه بقوله تعالى {فَهُمْ لَهَا مالكون} الآيات الثلاث أي فملكناها إيَّاهمُ، وإيثارُ الجملة الاسميةِ على ذلك للدِّلالةِ على استقرارِ مالكِّيتِهم لها واستمرارِها.
{فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76) }
وتقديمُ السرِّ على العلن إمَّا للمبالغةِ في بيانِ شمولِ علمِه تعالى لجميعِ المعلوماتِ كأنَّ علمَه تعالى بما يُسرونه أقدمُ منه بما يعلنونَه مع استوائِهما في الحقيقةِ، فإنَّ علمَه تعالَى بمعلوماتهِ ليسَ بطريقِ حصولِ صُورِها بل وجود كل شيء في نفسِه عِلْمٌ بالنِّسبةِ إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلفُ الحالُ بين الأشياءِ البارزةِ والكامنةِ، وإما لأنَّ مرتبةَ السرِّ متقدمةٌ على مرتبة العلنِ، إذ ما من شيء يُعلَنُ إلا وهُو أو مباديهِ مضمرٌ في القلبِ قبل ذلك، فتعلّقُ علمِهِ تعالَى بحالتِهِ الأُولى متقدمٌ على تعلقهِ بحالتهِ الثَّانية حقيقة.
{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) }