نَقُولُ لَمَّا قَالَ: (فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) عَمَّ الْخَلْقَ، لِأَنَّ مَا مِنْ أَحَدٍ إلا وحمل فِي الْبَرِّ أَوِ الْبَحْرِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَعُمَّ، فَقَالَ إِنْ كُنَّا مَا حَمَلْنَاكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ فَقَدْ حَمَلْنَا مَنْ يُهِمُّكُمْ أَمْرُهُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ وَالْإِخْوَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ.
* قَوْلُهُ: (الْمَشْحُونِ) يُفِيدُ فَائِدَةً أُخْرَى غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَهِيَ أَنَّ الْآدَمِيَّ يَرْسُبُ فِي الْمَاءِ وَيَغْرَقُ، فَحَمْلُهُ فِي الْفُلْكِ وَاقِعٌ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ مَنْ يَقُولُ الْخَفِيفُ لَا يَرْسُبُ فِي الْمَاءِ، لِأَنَّ الْخَفِيفَ يَطْلُبُ جِهَةَ فَوْقُ فَقَالَ: (الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) أَثْقَلُ مِنَ الثِّقَالِ الَّتِي تَرْسُبُ، وَمَعَ هَذَا حَمَلَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ فِيهِ مَعَ ثِقَلِهِ، فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ الْخَلَاءِ نَقُولُ قَدْ ذَكَرْنَا الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى جَوَازِ الْخَلَاءِ فِي الْكُتُبِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِذَنْ لَيْسَ حِفْظُ الثَّقِيلِ فَوْقَ الْمَاءِ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ.
* قال تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ) [يس: 33] وقال: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) [يس: 37] ولم يقل: وَآيَةٌ لَهُمُ الْفُلْكُ جَعَلْنَاهَا بِحَيْثُ تَحْمِلُهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَمْلَهُمْ فِي الْفُلْكِ هُوَ الْعَجَبُ.
أَمَّا نَفْسُ الْفُلْكِ فَلَيْسَ بِعَجَبٍ لِأَنَّهُ كَبَيْتٍ مَبْنِيٍّ مِنْ خَشَبٍ.
وَأَمَّا نَفْسُ الْأَرْضِ فَعَجَبٌ وَنَفْسُ اللَّيْلِ عَجَبٌ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِمَا لِأَحَدٍ إِلَّا الله.
(وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ(42)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِذَا كَانَ الْمُرَادُ سَفِينَةَ نُوحٍ فَمَا وَجْهُ مُنَاسَبَةِ الْكَلَامِ؟
نَقُولُ ذَكَّرَهُمْ بِحَالِ قَوْمِ نُوحٍ وَأَنَّ الْمُكَذِّبِينَ هَلَكُوا وَالْمُؤْمِنِينَ فَازُوا فَكَذَلِكَ هُمْ إِنْ آمَنُوا يَفُوزُوا وإن كذبوا يهلكوا.
(وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ(43)