قَوْلُهُ: (فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ) فِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْحَصْرِ وهي أنه تعالى قال (لا صريخ لهم) وَلَمْ يَقُلْ: وَلَا مُنْقِذَ لَهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ لَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْصُرَ لا يشرع في النصرة مَخَافَةَ أَنْ يُغْلَبَ وَيَذْهَبَ مَاءُ وَجْهِهِ، وَإِنَّمَا يَنْصُرُ وَيُغِيثُ مَنْ يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُغِيثَ فَقَالَ (لَا صَرِيخَ لَهُمْ) وَأَمَّا مَنْ لَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُنْقِذَ إِذَا رَأَى مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِ فِي ضُرٍّ يَشْرَعُ فِي الْإِنْقَاذِ، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِنَفْسِهِ فِي الْإِنْقَاذِ وَلَا يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ.
وَإِنَّمَا يَبْذُلُ الْمَجْهُودَ فَقَالَ: (وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ) وَلَمْ يَقُلْ ولا منقذ لهم.
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(47)
عِنْدَ قوله تَعَالَى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا) حذف الجواب، وهاهنا أَجَابَ وَأَتَى بِأَكْثَرَ مِنَ الْجَوَابِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ قَالَ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا قَالُوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ لَكَانَ كَافِيًا، فَمَا الْفَائِدَةُ في قوله تَعَالَى: (قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا) ؟
نَقُولُ الْكُفَّارُ كَانُوا يَقُولُونَ بِأَنَّ الْإِطْعَامَ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ وَكَانُوا يَفْتَخِرُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِذَلِكَ الْقَوْلِ رَدًّا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا نَحْنُ نُطْعِمُ الضُّيُوفَ مُعْتَقِدِينَ بِأَنَّ أَفْعَالَنَا ثَنَاءٌ، وَلَوْلَا إِطْعَامُنَا لَمَا انْدَفَعَ حَاجَةُ الضَّيْفِ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِلَهَكُمْ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ، فَلِمَ تَقُولُونَ لَنَا أَنْفِقُوا؟
فَلَمَّا كَانَ غَرَضُهُمُ الرَّدَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَا الِامْتِنَاعَ مِنَ الْإِطْعَامِ.