* (مَا) فِي قَوْلِهِ: (وَما عَمِلَتْهُ) مِنْ أَيِ الْمَاءَاتِ هِيَ؟
نَقُولُ فِيهَا وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: نَافِيَةٌ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا عَمِلَتِ التَّفْجِيرُ أَيْدِيهِمْ بَلِ اللَّهُ فَجَّرَ.
وَثَانِيهَا: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى الَّذِي كَأَنَّهُ قَالَ وَالَّذِي عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْغِرَاسِ بَعْدَ التَّفْجِيرِ يَأْكُلُونَ مِنْهُ أَيْضًا وَيَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِ اللَّهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ مِنَ النَّاسِ، فَعَطَفَ الَّذِي عَمِلَتْهُ الْأَيْدِي عَلَى مَا خلقه الله من غير مدخل للإنسان فيه.
وَثَالِثُهَا: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (وَمَا عَمِلَتْ) مِنْ غَيْرِ ضَمِيرٍ عَائِدٍ مَعْنَاهُ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَعَمَلِ أَيْدِيهِمْ يَعْنِي يَغْرِسُونَ وَاللَّهُ يُنْبِتُهَا وَيَخْلُقُ ثَمَرَهَا فَيَأْكُلُونَ مَجْمُوعَ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ وَخَلْقِ اللَّهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يُمْكِنُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ مَعَ الضَّمِيرِ.
(سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ(36)
قَوْلُهُ (وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا ذَكَرَ كَوْنَ الْكُلِّ مَخْلُوقًا لِيُنَزِّهَ اللَّهَ عَنِ الشَّرِيكِ فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَصْلُحُ شَرِيكًا لِلْخَلْقِ، لَكِنَّ التَّوْحِيدَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ تَعَالَى اعْلَمُوا أَنَّ الْمَانِعَ مِنَ التَّشْرِيكِ فِيمَا تَعْلَمُونَ وَمَا لَا تَعْلَمُونَ لِأَنَّ الْخَلْقَ عَامٌّ وَالْمَانِعَ مِنَ الشَّرِكَةِ الْخَلْقُ فَلَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّا تَعْلَمُونَ فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ وَمِمَّا لَا تَعْلَمُونَ فَإِنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ لكون كله ممكنا.
(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ(37)
لَوْ قَالَ قَائِلٌ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالزَّمَانِ فَلِمَ اخْتَارَ اللَّيْلَ حَيْثُ قَالَ: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) ؟