نَقُولُ لَمَّا اسْتَدَلَّ بِالْمَكَانِ الَّذِي هُوَ الْمُظْلِمُ وَهُوَ الْأَرْضُ وَقَالَ: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ) [يس: 33] اسْتَدَلَّ بِالزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ الظُّلْمَةُ وَهُوَ اللَّيْلُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ اللَّيْلَ فِيهِ سُكُونُ النَّاسِ وَهُدُوءُ الْأَصْوَاتِ وَفِيهِ النَّوْمُ وَهُوَ كَالْمَوْتِ وَيَكُونُ بَعْدَهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ كَالنَّفْخِ فِي الصُّورِ فَيَتَحَرَّكُ النَّاسُ فَذَكَرَ الْمَوْتَ كَمَا قَالَ فِي الْأَرْضِ: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ) [يس: 33] فذكر من الزَّمَانَيْنِ أَشْبَهَهُمَا بِالْمَوْتِ كَمَا ذَكَرَ مِنَ الْمَكَانَيْنِ أَشْبَهَهُمَا بِالْمَوْتِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَاللَّيْلُ فِي نَفْسِهِ آيَةٌ فَأَيَّةُ حَاجَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: (نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ) ؟
نَقُولُ الشَّيْءُ تَتَبَيَّنُ بِضِدِّهِ مَنَافِعُهُ وَمَحَاسِنُهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ اللَّيْلَ وَحْدَهُ آيَةً فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ إِلَّا وَذَكَرَ آيَةَ النَّهَارِ مَعَهَا.
(لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)
مَا الْفَائِدَةُ فِي قوله تَعَالَى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ وَقَوْلِهِ: (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَلَمْ يَقُلْ وَلَا اللَّيْلُ يَسْبِقُ وَلَا قَالَ مُدْرِكَةُ الْقَمَرِ؟
نَقُولُ الْحَرَكَةُ الْأَوَّلِيَّةُ الَّتِي لِلشَّمْسِ، وَلَا يُدْرَكُ بِهَا الْقَمَرُ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّمْسِ، فَجَعَلَهَا كَالصَّادِرَةِ مِنْهَا، وَذُكِرَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ لِأَنَّ صِيغَةَ الْفِعْلِ لَا تُطْلَقُ عَلَى مَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ الْفِعْلُ فَلَا يُقَالُ هُوَ يَخِيطُ وَلَا يَكُونُ يَصْدُرُ مِنْهُ الْخِيَاطَةُ.
وَالْحَرَكَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِكَوْكَبٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ بَلِ الْكُلُّ فِيهَا مشتركة بسبب حركة فلك ليس ذَلِكَ فَلَكًا لِكَوْكَبٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ، فَالْحَرَكَةُ لَيْسَتْ كَالصَّادِرَةِ مِنْهُ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ صُدُورَ الْفِعْلِ يُقَالُ فُلَانٌ خَيَّاطٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَيَّاطًا.