قال: فينظر إليهم ، وينظرون إليه ، لا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ، ويبقى نوره في ديارهم.
هذا وجَعْلُ هذه السورة مرة كالقرآن يتلوه في الليلة مرة واحدة ، وتارةً
كالقرآن عشر مرات ، وأخرى كالقرآن ثنتي عشرة مرة ، لا تعارض فيه ، وللّه الحمد ، بل هو بالنظر إليه بحسب جهات متنوعة.
فالأول ناظر إلى: أن قلب الشيء لما كان هو المصرف له ولا يمكن
عادة تفكره بدونه كان عديلاً له بدون قلب.
والثاني وهو العشر ، ناظر إلى: أن القلب كالشيء من غير قلب عشر
مرات ، لأن منافع البدن وهي أعوان القلب ، تابعة للقلب ، ولما كان يعدم
تمام الانتفاع بعدم واحدة منها ، عد الباقي عَدَماً.
وبتلك المنافع يكون تمام المعارف ، التي هي المقصودة منه. وهي قسمان: أعيان ، ومعان.
الدماغ ، والرئة ، والكبد والطحال ، والكليتان ، والحواس الخمس
الظاهرة ، فإن في كل حاسة الدية كاملة.
أو يقال: إن ذلك بالنظر إلى الحواس الظاهرة والباطنة من غير نظر إلى
الأعيان ، وللثالثة بالنظر إلى الحواس العشر الظاهرة والباطنة واليدين
وللرجلين ، فتلك اثنتا عشرة ، لأن اليدين والرجلين عضوان فقط ، ولهذا قوبلا بديتين. ومهما نقص من هذه الأشياء. نقص من بيان المدركات بحسبه.
فكأن سورة يس مع القرآن بدونها بهذه المنزلة في البيان ، واللّه أعلم.
وروى الحافظ ابن رجب في كتابه"الاستغناء بالقرآن"من طريق أبي
الطيب عبد المنعم بن غلبون ، عن مُجَّاعة بن الزبير ، قال: دخلت على
حمزة الزيات فوجدته يبكى ، فقلت: ما يبكيك ؟. فقال: فكيف لا أبكي وقد رأيت ربي تبارك وتعالى الليلة في منامي ، كأني عُرضت على الله ، ؟ فقال لي: يا حمزة اقرأ القرآن كما علمتك ، فوثبت قائماً ، فقال لي: يا حمزة اجلس فإني أحب أهل القرآن. ثم قال لي: يا حمزة اقرأ ، فقرأت حتى بلغت سورة طه فقلت:"طوى وأنا اخترتك"فقال: بين طوى وأنا اخترناك.