في هذه السورة من المعاني ما لم أعلمه إلا وأنا أستحضرها لأخطب بها، وأبقى طول عمري جاهلًا بمعانٍ أخرى قد يرزقني الله بها قبل موتي أو لا أنالها، علمنا الله وإياكم جميعًا الخير، وتنتهي الدنيا وتبقى في القرآن أسرار وعجائب لا يصل الناس إلى منتهاها، فإنه كتابٌ لا تنقضي عجائبُه، حكَم ونظَّم حياة الناس لمدة أربعة عشر قرنًا من الزمان، والناس به أحياء، والقرآن يُكلِّم كل واحد ويخاطبه بما يفهمه، ويعطيه حقَّه ومستحقَّه، القرآن نعم الصاحب، كلما ذكرته ذكرَكَ، من قرأه فقد ذكر الله، (( ومن ذكر الله في ملأ، ذكره الله في ملأ خير منه ) ) [11] ، تقرأ القرآن وتذكر الله به في الأرض، يذكرك الله به في السماء، كلما فتحت عينك فيه زادك إبصارًا، كلما فتحت له قلبك زادك بصيرةً وعلمًا ونورًا، كلما تدبَّرت فيه أعطاك، من وفَّى له وافاه، ومن قرأه وتلاه ذُكر به، ونال فضله ورضا ربِّه سبحانه وتعالى، ومن خلَّفه وراءه زجَّه في قفاه، كأنه كائن حي يتفاعل معك، ستطرب به أذنك فتُطرب، من كان ثائرًا غاضبًا فقرأ آيات القرآن سكَّنه القرآن وهدَّأه، وكأنه صاحبه يهدهد عليه في غضبته، اهدَأْ قليلًا"اهدأ وصلِّ على النبي عليه الصلاة والسلام"،"اذكر الله"ستكون بخيرٍ، كأن القرآن يهدهد عليه:"أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" [الرعد: 28] .
فوصف الله للقرآن هنا بالحكيم؛ لأنه يضع الشيء في موضعه، وبمقداره المناسب، وفي مكانه المناسب، إن ذلك ليُشعرنا بأن القرآن حياة، ومن عاش مع القرآن وبالقرآن شعر بطعم الحياة، واستلذَّ الحياة، واستطعم الحياة، ووجد لحياته فائدةً ومغزًى ومعنًى؛ لذلك كانت سورة يس بوقعها الشديد، بنبضاتها المشتعلة في القلب، بلفتاتها اللطيفة إلى أسرار الخلق في الكون تعرُّفًا على الله عز وجل، كانت سورةً حكيمةً جليلة، وسبحان الله - كما تعلمون - هي سورةٌ انفتحت لها القلوب فيحبُّها كل الناس، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى علينا وعلى الناس؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون.
وختامًا: