في قوله"واللّه الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلخ"التفاتان: الأول في الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي فقد قال"فتثير"مستقبلا وما قبله وما بعده ماض لحكاية الحال الماضية واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية كحال تستغرب أو تهم المخاطب وغير ذلك كما قال تأبط شرا:
فمن ينكر وجود الغول إني أخبر عن يقين بل عيان
بأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرت صريعا لليدين وللجران
والغول أنثى الشياطين والعيان المشاهدة بالعين والهوي الهبوط والمراد سرعة العدو والسهب بالفتح الفضاء المستوي البعيد الأطراف
والصحيفة الكتاب والصحصحان بالفتح المستوي من الأرض والجران ككتاب مقدم عظم العنق من الحلق إلى اللبة وجمعه جرنه ككتبه وأجرنة كأفئدة يقول: من ينكر وجود الغول فقد كذب فإني أخبر عن يقين أو المعنى فيا من تنكر وجود الغول إني أخبر إخبارا ناشئا عن يقين وهو ما كان بدليل قاطع بله عيان ومشاهدة بالعين.
وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام في غزوة بدر فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس ، وفي يدي عنزة فأطعن بها في عينه فوقع وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقفة. فقوله فأطعن بها في عينه وأطأ برجلي معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم ، ألا ترى أنه قال أولا لقيت عبيدة بلفظ الماضي ثم قال بعد ذلك فأطعن بها في عينه ولو عطف كلامه على أوله لقال فطعنت بها في عينه.