وجائز أن يكون لا على الصلة بشيء مما ذكرنا ولكن على الابتداء، فإن كان على الابتداء فهو يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث رفع السماء وأمسكها في الهواء مع غلظها وشدتها بلا عمد من تحت ولا شيء من فوق، يمنعها عن الانحدار والزوال عن مكانها والإقرار على ذلك والتقرير، وفي الشاهد أن ليس في وسع أحد من الخلائق إمساك الشيء في الهواء ولا إقامته إلا بأحد هذين السببين: إما من تحت، وإما من فوق، وكذلك الأرض حيث دحاها وبسطها على الماء، ومن طبعها التسرب والتسفل في الماء لا القرار عليه؛ حيث لا يحفر مكان منها إلا ويخرج منه الماء؛ فدل تقرير الأرض على الماء وإمساك السماء في الهواء بلا شيء يقرهما ويمنعهما عن التسفل والانحدار - أنه الواحد القادر بذاته لا يعجزه شيء.
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) .
قوله تعالى: (حَلِيمًا) : حين لم يرسل السماوات عليهم؛ لعظيم فريتهم على اللَّه والقول فيه بما لا يليق به - سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرًا - وحيث لم يعجل بعقوبتهم في الدنيا، (غَفُورًا) : رحيمًا حيث ستر عليهم ذلك، ولم يفضحهم في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا(42)
هو قسمهم باللَّه، ومعناه - واللَّه أعلم -: أن العرب كانت من عادتهم أنهم كانوا يحلفون بالآباء والطواغيت، لا يحلفون باللَّه إلا فيما عظم أمره، وجل قدره؛ تأكيدا لذلك الأمر؛ لذلك كان قسمهم باللَّه جهد أيمانهم، وقد ذكرنا معنى جهد الأيمان فيما تقدم.
وقوله: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ) قيل: رسول (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) .