نعم، استكبروا على الحق، فلم يقبلوه، لماذا؟ لأن هذا الحق جاء ليُنزلهم من عالي السيادة إلى العبودية المقترحة المستطرفة بين كل الخَلْق، وهم أَلِفوا السيادة وتشقّ عليهم المساواة، وأن يكونوا هم وعبيدهم كأسنان المشط. وكأن الحق سبحانه يرد عليهم يا مَنْ تستكبرون عن قبول الحق بما لكم من السيادة، أمَا كان يليق بكم أنْ تخزوا على عرضكم، وتسألوا أنفسكم مِنْ أين لكم هذه السيادة؟ بالله، لو أن الله تعالى مكَّن أبرهة من هدم الكعبة في حادثة الفيل، وانصرف الناس إلى كعبة أخرى في صنعاء، أكانت لكم سيادة؟ أكانت لكم مهابة أو ذِكْر بين الناس؟ إذن كان عليكم أنْ تُعملوا عقولكم، وأن تتأملوا هذه المهابة من أين، وهذه الأرزاق التي تُسَاق إليكم من أين؟ لقد كنتم تُحرِّمون على الناس أنْ يطوفوا بالبيت إلا وهم عرايا ليشتروا منكم الثياب. واقرأوا قول الله
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}
الفيل 1 - 5. لماذا فعل الله هذا بأصحاب الفيل؟ يجيب الحق سبحانه في السورة بعدها
{لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}
قريش 1 - 4. يعني ما فعلتُ هذا بأصحاب الفيل إلا من أجل قريش، واستبقاء سيادتها، وتوفير القوت والأمن لها، لكنهم مع هذا كله استكبروا على منهجي وصادموا رسولي، وعاندوه وكادوا له. {اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ} فاطر 43 أي برسول الله، وبمَنْ آمن معه ليردُّوهم عن دينهم، ولو علموا حيثية استكبارهم لهداهم هذا الاستكبار إلى الإيمان بمَنْ جعلهم كبراء. ثم يقرر الحق سبحانه هذه الحقيقة {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} فاطر 43 فقد مكروا برسول الله وكادوا له، وتآمروا عليه، وآذوا المؤمنين به وعذَّبوهم، لكن جعل الله كيدهم في نحورهم، كما قال سبحانه في موضع آخر
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ}
الأنفال 30 أي يسجنوك
{أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}