واعلم أَن الغنى على الحقيقة لا يكون إِلا لله الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فموسوم بسمة الفقر كما هو موسوم بسمة الخلق والصنع، وكما أَن كونه مخلوقاً أَمر ذاتي له، فكونه فقيراً أَمر ذاتي له كما تقدم بيانه، وغناه أَمر نسبى إِضافى عارض له، فإِنه إِنما استغنى بأَمر خارج عن ذاته فهو غنى به فقير إِليه، ولا يوصف بالغنى على الإِطلاق إِلا من غناه من لوازم ذاته، فهو الغني بذاته عما سواه، وهو الأَحد الصمد الغني الْحميد.
والغنى قسمان: غنى سافل، وغنى عال. فالغنى السافل الغنى بالعواري المستردة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأَنعام والحرث وهذا أَضعف الغنى، فإِنه غنى بظل زائل، وعارية ترجع عن قريب إِلى أَربابها، فإِذا الفقر بأَجمعه بعد ذهابها، وكَأن الغنى بها كان حلماً فانقضى، ولا همة أَضعف من همة من رضي بهذا الغنى الذي هو ظل زائل. وهذا غنى أَرباب الدنيا الذي فيه يتنافسون، وإِياه يطلبون، وحوله يحومون، ولا أَحب إِلى الشيطان وأَبعد عن الرحمن من قلب ملآن بحب هذا الغنى والخوف من فقده.
قال بعض السَلَف: إِذا اجتمع إبليس وجنوده لم يفرحوا بشيء كفرحهم بثلاثة أَشياءَ: مؤمن قتل مؤمناً، ورجل يموت على الكفر، وقلب فيه خوف الفقر. وهذا الغنى محفوف بفقرين: فقر قبله، وفقر بعده، وهو كالغفوة بينهما.
فحقيق بمن نصح نفسه أن لا يغتر به ولا يجعله نهاية مطلبه، بل إذا حصل له جعله سبباً لغناه الأَكبر وسيلة إِليه، ويجعله خادماً من خدمه لا مخدوماً له، وتكون نفسه أَعز عليه من أَن يعبِّدها لغير مولاه الحق، أَو يجعلها خادمة لغيره.
(فصل: في الغنى العالي)
أَما الغنى العالي فقال شيخ الإِسلام:"هو على ثلاث درجات: الدرجة الأُولى:"
غنى القلب، وهو سلامته من السبب، ومسالمته للحكم، وخلاصه من الخصومة، والدرجة الثانية غنى النفس، وهو استقامتها على المرغوب، وسلامتها من الحظوظ، وبراءَتها من المراءَاة.
والدرجة الثالثة: الغنى الحق وهو ثلاث مراتب:
الأُولى شهود ذكره إِياك، والثانية: دوام مطالعة أَوليته، والثالثة: الفوز بوجوده"."