فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 370073 من 466147

ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إِنائه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة، لأَن كل شراب فمسكر ولا بد، و"ما أَسكر كثيره فقليله حرام"، وأَين سكر الهوى والدنيا من سكر الخمر، وكيف يوضع شراب التسليم - الذي هو أَعلى أَشربة المحبين - في إِناءٍ ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق، ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأَجنحة الشوق إِلى الله والدار الآخرة، ولكن رضى المسكين بالدون، وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأَخس الثمن صفقة خاسر مغبون، فسيعلم أي حظ أَضاع إِذا فاز المحبون، وخسر المبطلون.

(فصل: في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله)

وإِذا كان التلوث بالأَعراض قيداً يقيد القلوب عن سفرها إِلى بلد حياتها ونعيمها الذي لا سكن لها غيره، ولا راحة لها إِلا فيه، ولا سرور لها إِلا في منازله، ولا أَمن لها إِلا بين أَهله، فكذلك الذي باشر قلبه روح التألة، وذاق طعم المحبة، وآنس نار المعرفة، له أَعراض دقيقة حالية تقيد قلبه عن مكافحة صريح الحق، وصحة الاضطرار إِليه والفناءِ التام به، والبقاءِ الدائم بنوره الذي هو المطلوب من السير والسلوك، وهو الغاية التي شمر إِليها السالكون، والعلم الذي أَمَّه العابدون ودندن حوله العارفون، فجميع ما يحجب عنه أَو يقيد القلب نظره وهمه يكون حجاباً يحجب الواصل ويوقف السالك وينكس الطالب، فالزهد فيه على أَصحاب الهمم العلية متعين تعين الواجب الذي لا بد منه، وهو كزهد السالك إِلى الحج في الظلال والمياه التي يمر بها في المنازل، فالأَول مقيد عن الحقائق برؤية الأعراض، والثاني مقيد عن النهايات برؤية الأَحوال، فتقيد كل منهما عن الغاية المطلوبة، وترتب على هذا القيد عدم النفوذ، وذلك مؤخر مخلف.

وإذا عرف العبد هذا وانكشف له علمه تعين عليه الزهد في الأَحوال والفقر منها، كما تعين عليه الزهد في المال والشرف وخلو قلبه منهما.

(فصل: في تقسيم الغنى إِلى عال وسافل)

ولما كان الفقر إِلى الله عز وجل هو عين الغنى به - فأَفقر الناس إِلى الله أَغناهم به، وأَذلهم له أَعزهم، وأَضعفهم بين يديه أَقواهم، وأَجهلهم عند نفسه أَعلمهم بالله وأَمقتهم لنفسه أَقربهم إِلى مرضاة الله - كأن ذكر الغنى بالله مع الفقر إِليه متلازمين متناسبين، فنذكر فصلاً نافعاً في الغنى العالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت