فالمعنى: ولا تحمل حاملة حِمل أخرى ، أي لا يحمل الله نفساً حملاً جعله لنفس أخرى عدلاً منه تعالى لأن الله يحب العدل وقد نفى عن شأنه الظلم وإن كان تصرفه إنما هو في مخلوقاته.
وجرى وصف الوازرة على التأنيث لأنه أريد به النفس.
ووجه اختيار الإِسناد إلى المؤنث بتأويل النفس دون أن يجري الإِضمار على التذكير بتأويل الشخص ، لأن معنى النفس هو المتبادر للأذهان عند ذكر الاكتساب كما في قوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها}
في سورة الأنعام (164) ، وقوله: {كل نفس بما كسبت رهينة} في سورة المدثر (38) ، وغير ذلك من الآيات.
ثم نبّه على أن هذا الحكم العادل مطرد مستمر حتى لو استغاثت نفس مثقلة بالأوزار مَن ينتدب لحمل أوزارها أو بعضها لم تجد من يحمل عنها شيئاً ، لئلا يقيس الناس الذين في الدنيا أحوال الآخرة على ما تعارفوه ، فإن العرب تعارفوا النجدة إذا استنجدوا ولو كان لأمر يُضر بالمنجد.
ومن أمثالهم لو دُعي الكريم إلى حتفه لأجاب ، وقال ودّاك بن ثُمَيْل المازني:
إذا استُنْجدوا لم يَسألوا من دَعاهُم
لأَيَّة حرب أم بأي مكان...
ولذلك سمي طلب الحمل هنا دعاء لأن في الدعاء معنى الاستغاثة.
وحذف مفعول تدع لقصْد العموم.
والتقدير: وإن تدع مثقلة أيَّ مدعوّ.
وقوله: {إلى حملها} متعلق بـ {تدع} ، وجعل الدعاء إلى الحمل لأن الحمل سبب الدعاء وعلته.
فالتقدير: وإن تدع مثقلة أحداً إليها لأجل أن يَحمل عنها حملها ، فحذف أحدُ متعلقي الفعل المجرور باللام لدلالة الفعل ومتعلقه المذكور على المحذوف.
وهذا إشارة إلى ما سيكون في الآخرة ، أي لو استصرخت نفس مَن يحمل عنها شيئاً من أوزارها ، كما كانوا يزعمون أن أصنامهم تشفع لهم أو غيرهم ، لا تجد من يجيبها لذلك.
وقوله: {ولو كان ذا قربى} في موضع الحال من {مثقلة} .