وقد يكون وعداً بالإِنجاء من عذاب الدنيا إذا نزل بالمهدَّدين الإِذهابُ والإِهلاكُ مثلما أهلك فريقَ الكفار يوم بدر وأنجى فريق المؤمنين ، فيكون هذا وعداً خاصاً لا يعارضه قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] وما ورد في حديث أمّ سلمة قالت:"يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخُبْث".
فموقع قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} كموقع قوله تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} [يوسف: 110] .
ولهذا فالظاهر أن هذا تأمين للمسلمين من الاستئصال كقوله تعالى: {وما كان اللَّه معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33] بقرينة قوله عقبه {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} وهو تأمين من تعميم العقاب في الآخرة بطريق الأوْلى ويجوز أن يكون المراد: ولا تزر وازرة وزر أخرى يوم القيامة ، أي إن يشأ يذهبكم جميعاً ولا يعذب المؤمنين في الآخرة ، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم"ثم يحشرون على نياتهم".
والوجه الأول أعم وأحسن.
وأيَّامًّا كان فإن قضية {ولا تزر وازرة وزر أخرى} كلية عامة فكيف وقد قال الله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} في سورة العنكبوت (13) ، فالجمع بين الآيتين أن هذه الآية نفَت أن يحمل أحد وزر آخر لا مشاركةَ له للحامل على اقتراف الوزر ، وأما آية سورة العنكبوت فموردها في زعماء المشركين الذين موّهوا الضلالة وثبتوا عليها ، فإن أول تلك الآية {وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتَّبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} [العنكبوت: 12] ، وكانوا يقولون ذلك لكل من يستروحون منه الإِقبال على الإِيمان بالأحرى.
وأصل الوِزر بكسر الواو: هو الوِقْر بوزنه ومعناه.
وهو الحِمل بكسر الحاء ، أي ما يحمل ، ويقال: وَزَر إذا حمل.