إذن: فالحق - سبحانه وتعالى - بيَّن مراحل خَلْق الإنسان من تراب ، صار طيناً ، ثم صار حمأ مسنوناً ، ثم صلصالاً كالفخار ، ثم نفخ فيه الله من روحه ، ونحن لم نشاهد هذه المسألة ، إنما أخبرنا بها ، ومن رحمته تعالى بخَلْقه ، ولكي لا تحار عقولهم حينما تبحث هذه العملية يعطينا في الكون المشَاهد لنا شواهد تُوضِّح لنا الغيب الذي لم نشاهده .
ففي أعرافنا أن هَدْم الشيء أو نَقْص البناء يأتي على عكس البناء ، فما بُني أولاً يُهْدَم آخراً ، وما بُني آخراً يُهدَم أولاً ، وأنت لم تشاهد عملية الخَلْق ، لكن شاهدتَ عملية الموت ، والموت نَقْض للحياة .
ولك أنْ تتأملَ الإنسان حينما يموت ، فأول نَقْض لبنيته أنْ تخرج منه الروح ، وكانت آخر شيء في بنائه ، ثم يتصلّب الجسد ويتجمد ، كما كان في مرحلة الصلصالية ، ثم يتعفَّن وتتغير رائحته ، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون ، ثم تمتص الأرض ما فيه من مائية ليصير إلى التراب كما بدأه خالقه من تراب ، إذن: صدق الله تعالى في المشهد حين بيَّن لنا الموت ، فصدَّقنا ما قاله في الحياة .
وكما أن التراب والطين هما أصل الإنسان فهما أيضاً مصدر الخِصْب والنماء ، ومخازن للقوت وهما مُقوِّم من مُقوِّمات حياتنا: لذلك لما تكلم القرآن عن التراب قال سبحانه: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العالمين * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا ...} [فصلت: 9 - 10] يعني: في الجبال لأنها أقرب مذكور أو في الأرض عموماً ؛ لأن الرواسي في الأرض {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ...} [فصلت: 10] .
فالقوت يأتينا من طينة الأرض ، ومن التراب الذي يتفتت من الجبال مُكوِّناً الطمي أو الغرْيَن الذي يحمله إلينا ماء المطر ، فالأرض هي أمنا الحقيقية ، منها خُلِقْنا ، ومنها مُقوِّمات حياتنا .