وفي ضوء هذا نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل"فالكون لا يخلو في لحظة واحدة من ليل أو نهار ، وهذا يعني أن يد الله سبحانه مبسوطة دائماً لا تُقبَض: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ...} [المائدة: 64] .
ثم يقول الحق سبحانه: {يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت ...} .
أولاً: ما مناسبة الحديث عن البعث ، وإخراج الحيِّ من الميت ، وإخراج الميت من الحيِّ بعد الحديث عن تسبيح الله وتحميده؟ قالوا: لأنه تكلَّم عن المساء والصباح ، وفيهما شبه بالحياة والموت ، ففي المساء يحلُّ الظلام ، ويسكُن الخَلْق وينامون ، فهو وقت للهدوء والاستقرار ، والنوم الذي هو صورة من صور الموت ؛ لذلك نسميه الموت الأصغر ، وفي الصباح وقت الحركة والعمل والسعي على المعاش ، ففيه إذن حياة ، كما يقول سبحانه: {وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً} [النبأ: 10 - 11] .
ويُمثَّل الموت والبعث بالنوم والاستيقاظ منه ، كما جاء في بعض المواعظ:"لتموتُن كما تنامون ، ولتُبعثُنَّ كما تستيقظون".
وما دُمْنا قد شاهدنا الحاليْنِ ، وعايّنا النوم واليقظة ، فلنأخذ منهما دليلاً على البعث بعد الموت ، وإنْ أخبرنا القرآن بذلك ، فعلينا أنْ نُصدِّق ، وأنْ نأخذ من المشاهد دليلاً على الغَيْب ، وهذا ما جاءتْ به الآية:
{يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي ...} [الروم: 19] .
وقوله تعالى هنا (الحي والميت) أي: في نظرنا نحن وعلى حَدِّ عِلْمنا وفَهمنا للأمور ، وإلا فكُلُّ شيء في الوجود له حياة تناسبه ، ولا يوجد موت حقيقي إلا في الآخرة التي قال الله فيها: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ...} [القصص: 88] .