ولما نزلت هذه الآية كان الناس يعرفون الزوجية في النبات لأنهم كانوا يُلقِّحون النخل ، ويعرفونها في الإنسان ؛ لأنهم يتزوجون وينجبون ، وكذلك يعرفونها في الحيوان ، هذه حدود العقل في مسألة الزوجية .
لكن الآية لم تقتصر على ذلك ، إنما قال سبحانه {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36] لأن المستقبل سيكتشف لهم عن أشياء أخرى تقوم على نظرية الزوجية ، وقد عرفنا نحن هذه النظرية في الكهرباء مثلاً حيث (السالب) و (الموجب) ، وفي الذرات حيث (الإلكترونات) ، و (البروتونات) . . إلخ .
إذن: ساعةَ تسمع كلمة التسبيح فاعلم أنك ستستقبل حدثاً فريداً ، ليس كأحداث البشر ، ولا يخضع لقوانينهم .
ثم يقول سبحانه: {وَلَهُ الحمد فِي السماوات ...} .
نحلظ أن قوله تعالى {وَلَهُ الحمد فِي السماوات والأرض ...} [الروم: 18] فصلَتْ بين الأزمنة المذكورة ، فجعلت {تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] في ناحية ، و {وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 18] في ناحية ، مع أنها جميعاً أوقات وأزمنة في اليوم والليلة ، لماذا؟
قالوا: لأنه سبحانه يريد أنْ يُشعرنا أن له الحمد ، ويجب أنْ تحمده على أنه مُنزَّه عن التمثيل ؛ لأنها في مصلحتك أنت ، وأنت الجاني لثمار ها التنزيه ، فإنْ أرادك بخير فلا مثيلَ له سبحانه يمنعه عنك ، وله وحده الكبرياء الذي يحميك أن يتكبر أحد عليك ، وله وحده تخضع وتسجد ، لا تسجد لغيره ، فسجودك لوجه ربك يكفيك كل الأوجه ، كما قال الشاعر:
فَالسُّجُودُ الذي تَجْتويهِ فيه ... مِنْ أُلُوف السُّجُودِ نَجَاةُ