ولنشرع في الجواب مستعينين بالله فنقول: إن هذا الملحد من أجهل الجاهلين، فإن الحي لابد أن يخرج من الميت بالبرهان العقلي، لأن أول حي قد خرج من الميت لا محالة، وإلا لم يكن أول حي وقد فرضناه أول حي (هذا خلف) . أو نقول: لو كان كل حي خارجا من حي للزم الدور أو التسلسل، وهما محالان كما هو معروف.
وقد كان ذلك العالم الطبيعي الذي يقول:"إن الحياة فلتى من فلتات الطبيعة، ولابد أن يرد الحي إلى أصله الميت"أعقل من هذا الأحمق، فإنه لم يسهل عليه أن يقول بالتسلسل إلى غير النهاية، بل جعل لها أولاً هو ذلك الأصل الميت، فلم يقل بالتسلسل غير المعقول، وإن كان ما قاله أيضاً فلتى من فلتات العلم.
ثم نقول: 'ن صح ما زعمه هذا الملحد في الإنسان"مع أنه غير صحيح في الإنسان الأول كما عرفت، ولا في الإنسان المتولد من النطفة كما ستعرف"، فماذا يصنع في حبة القمح أو نواة النخلة والنخل أقرب أنواع النبات إلى الحيوان، بل كاد يصل إلى أفق فهل يقول: إن فيها شيئاً حياً يرى بالميكريكوب فيه خصائص الحياة ومميزاتها؟ وإني أخشى كما قال بعضهم: إن الحبة أو النواة حية بالقوة، فليعلم هو وأمثاله أن معنى الحياة بالقوة هو الاستعداد للحياة، وأن الحي بالقوة ميت بالفعل كما قرره العلماء وأن الاستعداد للشيء والاعداد له ينتهيان بوجود ذلك الشيء، فهذا طور وذاك طور آخر.
ومن الذي تشتبه عليه الوسيلة بالغاية والمقدمة بالنتيجة؟ فهذا ما يقرره العلم ويقتضيه العقل، فلا بقاء للوسيلة مع الغاية، ولا وجود للغاية مع الوسيلة، فإن قال: إن النواة مستعدة للحياة التي ستحلها وتخرج منها شجرة حية وثمرة شهية، كانذ لك صحيحا، وليست تحل الحياة إلا فيما هو مهيأ لها ومستعد لظهور آثارها، وإن قال: إن النواة حية أو فيها شيء حي بالفعل، كان ذلك جهلاً وكذباً.
ثم نقول بعد ذلك: إن ما زعمه من أن الإنسان هو من الحيوان المنوي الحي الي يرى في مني الرجل، باطل من وجوه عديدة:
أولاً - أن ذلك الحيوان الذي اغتر به لابد أن يرجع إلى أصل ميت، وإلا لزم الدور أو التسلسل كما قلنا.