وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُقْبِلَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ وَذَاتِهِ، فَيَعْتَنِي بِتَحْصِيلِ كَمَالِهِ، فَيَلْحَظُ عَوَالِيَ الْأُمُورِ وَسَفْسَافَهَا، فَيُؤْثِرُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، وَيُقَدِّمُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا، وَيَرْتَكِبُ أَخَفَّ الشَّرَّيْنِ خَشْيَةَ حُصُولِ أَقْوَاهُمَا، وَيَتَحَلَّى بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الشِّيَمِ، فَيَكُونُ ظَاهِرُهُ جَمِيلًا، وَبَاطِنُهُ أَجْمَلُ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَسَرِيرَتُهُ خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِهِ، فَيُزَاحِمُ أَصْحَابَ الْمَعَالِي عَلَيْهَا كَمَا يَتَزَاحَمُ أَهْلُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ عَلَيْهِمَا، فَبِهَذِهِ الْيَقَظَةِ يَسْتَعِدُّ لِلنَّوْعَيْنِ الْآخَرَيْنِ مِنْهُمَا.
أَحَدُهُمَا: يَقَظَةٌ تَبْعَثُهُ عَلَى اقْتِبَاسِ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي لَا خَطَرَ لَهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ الزَّائِلَةِ الْفَانِيَةِ، الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا.
فَإِنْ قُلْتَ: مَثِّلْ لِي كَيْفَ تُقْتَبَسُ الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ مِنَ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ فَإِنِّي لَا أَفْهَمُهُ.