فَالْجَوَابُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَنْفِ عَنْهُمْ عِلْمَهُمْ بِوَهَنِ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، وَإِنَّمَا نَفَى عَنْهُمْ عِلْمَهُمْ بِأَنَّ اتِّخَاذَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ كَالْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا فَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَمَا فَعَلُوهُ، وَلَكِنْ ظَنُّوا أَنَّ اتِّخَاذَهُمْ الْأَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ يُفِيدُهُمْ عِزًّا، وَقُدْرَةً، فَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا ظَنُّوهُ.
(فائدة)
ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس.
وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر والله أعلم.
(لطيفة)
وَمن عَجِيب حيل العنكبوت أنه ينسج تِلْكَ الشبكة شركا للصَّيْد ثمَّ يكمن فِي جوفها فَإِذا نشب فِيهَا البرغش والذباب وثب عَلَيْهِ وامتص دَمه فَهَذَا يحْكى صيد الاشراك والشباك والأول يحْكى صيد الْكلاب والفهود وَلَا تزدرين الْعبْرَة بالشَّيْء الحقير من الذّرة والبعوض فَإِن الْمَعْنى النفيس يقتبس من الشَّيْء الحقير والازدراء بذلك مِيرَاث من الَّذين استنكرت عُقُولهمْ ضرب الله تَعَالَى {فِي كِتَابه الْمثل بالذباب وَالْعَنْكَبُوت وَالْكَلب وَالْحمار فَأنْزل الله تَعَالَى إِن الله لَا يستحيي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا}
فَمَا أغزر الحكم وأكثرها فِي هَذِه الْحَيَوَانَات الَّتِي تزدريها وتحتقرها وَكم من دلَالَة فِيهَا على الْخَالِق ولطفه وَرَحمته وحكمته فسل الْمُعَطل من الهمها هَذِه الْحِيَل والتلطف فِي اقتناص صيدها الَّذِي جعل قوتها وَمن جعل هَذِه الْحِيَل فِيهَا بدل مَا سلبها من الْقُوَّة وَالْقُدْرَة فأغناها مَا أعطاها من الْحِيلَة عَمَّا سلبها من الْقُوَّة وَالْقُدْرَة سوى اللَّطِيف الْخَبِير.