ومن أظرف الأحوال أن يحب جاريته فيعتها ويهب لها، أو امرأة فيسكن إليها ويهب لها فتتمكن، ولا تمضي الأيام حتى يسلوها أو يطلب غيرها، ولا يجد طريقاً للخلاص.
فإن تخلص منها أخذت ما غنمت منه فلقي من الغيظ أضعاف ما يلتذ به.
فلا ينبغي أن يوثق بامرأة ولا بمحبة إنسان، فإنه قد يحب امرأة ويظن أنه لا يسلوها أبداً فيسترسل إليها والسلو يحدث.
وربما أحب غيرها فينسى الأولى فيصعب عليه الخلاص من الأولى.
فالعاقل لا يدخل في شيء حتى يهيئ الخروج منه، فإن الأشياء لا تثبت، والمحبة لا تدوم، والتغير مقرون بكل حال.
وكذلك يعطي ماله ولده ثم يبقى كلاً عليه فيتمنى الولد هلاكه، وربما عل به في النفقة.
وكذلك قد يثق بالصديق فيبث أسراره إليه، فربما أظهر ذلك فكان منها ما يوجب هلاكه.
وكذلك يغتر الإنسان بالسلامة وينسى طروق الموت فيأتيه بغتة فيبهته وقد فات الاستدراك ولم يبق إلا الندم.
فالعاقل من كانت عينه مراقبة للعواقب، محترزة مما يجوز وقوعه، عاملة بالاحتياط في كل حال حافظة للمال والسر، غير واثقة بزوجة ولا ولد ولا صديق، متأهبة للرحيل متهيئة للنقلة. هذه صفة أهل الحزم. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...