{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} تتحرك {كَأَنَّهَا جَآنٌّ} وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته {ولى مُدْبِراً} هارباً منها {وَلَمْ يُعَقِّبْ} ولم يرجع ، فنودي {يا موسى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين (*) اسلك يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء} فخرجت كأنّها مصباح {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب} قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} [الأنبياء: 90] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفَرَق.
ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى من شعاعها ، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى ، وقال بعضهم: أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية ، وقيل: معناه سكّنْ روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه ، وضم الجناح هو السكون ، ومثله قوله سبحانه {واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة} [الإسراء: 24] يريد الرفق ، وقوله سبحانه: {واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين} [الشعراء: 215] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم ، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه.
وقال بعض أهل المعاني: الرهب ، الكُم بلغة حمير وبني حنيفة ، وحُكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: عطني ما في رهبك ، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكُم ، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكُم ؛ لأنّه تناول العصا ويده في كُمّه.