فنحن في هذه الحالة لا نتبع الهوى إنما نتبع الشرع ؛ لذلك يقول أحد الصالحين الذين أفنوا عمرهم في الطاعة والعبادة: اللهم إنِّي أخشى ألاَّ تثيبني على طاعتي ؛ لأنك أمرتنا أنْ نحارب شهوات أنفسنا ، وقد أصبحت أحب الطاعة حتى صارت شهوة عندي .
وأضلُّ الضلال أن يتبع الإنسان هواه ؛ لأن الأهواء متضاربة في الخَلْق تضارب الغايات ، لذلك المتقابلات في الأحداث موجودة في الكون .
وقد عبَّر المتنبي عن هذا التضارب ، فقال:
أَرَى كُلَّنَا يَبْغي الحياةَ لنفسهِ ... حَرِيصاً عَليها مُسْتهاماً بها صبَّا
فحبُّ الجبانِ النفس أوردَهُ التقى ... وحُبُّ الشجاع النفسَ أَوردَهُ الحَربَا
فنحن جميعاً نحب الحياة ونحرص عليها ، لكن تختلف وسائلنا ، فالجبان لحبه الحياة يهرب من الحرب ، والشجاع يُلقي بنفسه في معمعتها مع أنه مُحِبٌّ للحياة ، لكنه محب لحياة أخرى أبقى ، هي حياة الشهيد .
وآخر يقول:
كُلُّ مَنْ في الوُجودِ يطلبُ صَيْداً ... غير أنَّ الشباك مُختلِفَات
فالرجل الذي يتصدق بما معه رغم حاجته إليه ، لكنه رأى مَنْ هو أحوج منه ، وفيه قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ...} [الحشر: 9] .
نقول: هذا آثر الفقير على نفسه ، لكنه من ناحية أخرى يبغي الأجر ويطمع في عَشْرة أمثال ما أنفق ، بل يطمع في الجنة ، إذن: المسألة فيها نفعية ، فالدين عند المحققين أنانية ، لكنها أنانية رفيعة راقية ، ليست أنانية حمقاء ، الدين يرتقي بصاحبه ، ويجعله إيجابياً نافعاً للآخرين ، ولا عليه بعد ذلك أن يطلب النفع لنفسه .
فالشرع حين يقول لك: لا تسرق . وحين يأمرك بغضِّ بصرك ، وغير ذلك من أوامر الشرع ، فإنما يُقيِّد حريتك وأنت واحد ، لكن يُقيِّد من أجلك حريات الآخرين جميعاً ، فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك ، فإذا نظرت إلى ما أخذ منك باتباعك للمنهج الإلهي فلا تَنْسَ ما أعطاك .