وفي غزوة مؤتة ، وهي الغزوة الوحيدة التي لم يحضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك سُمِّيت غزوة - لأن الغزوة لا تُقَال إلا للمعركة التي حضرها رسول الله ، أما في مؤتة فقد حضرها وشاهدها وهو في المدينة ، حيث كشف الله له حجاب الحاضر ، فصار يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في مؤتة وكأنها رَأْيُ العين .
ويومها تولى القيادة جماعة من كبار الصحابة: زيد بن حارثة ، وابن رواحة ، وجعفر بن أبي طالب ، وخالد بن الوليد ، فكان صلى الله عليه وسلم يقول: قُتِل فلان وسقطت الراية ، فأخذها فلان وقُتِل وحملها فلان . . إلخ فلما عادوا من الغزوة أخبروا بنفس ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم يقول الحق سبحانه: {ولولا أَن تُصِيبَهُم ...} .
المعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدَّمَتْ أيديهم لَعذَّبناهم فاحتجوا قائلين: {رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين} [القصص: 47] فلو عذَّبهم الله دون أن يرسل إليهم رسولاً لكانت حجة لهم .
وسبق أنْ قُلْنا: إنه لا عقوبة إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنصٍّ ولا نصَّ إلا بإعلام ، لذلك تُنشر الأحكام في الوقائع الرسمية ليعرفها الجميع ، فتلزمهم الحجة ، ولا يُعْذَر أحد بالجهل بالقانون ، ولا يُعفى من العقاب .
إذن: قطع الله عليهم الحجة ، حين بعث إليهم رسول الله بمنهج الحق الذي يدلهم على الخير والثواب عليه في الجنة ، ويحذرهم من الشر والعقاب عليه في النار {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ...} [النساء: 165] .
إذن: الحكمة من إرسال الرسول إقامة الحجة على المرسَل إليهم مجرد إقامة الحجة ؛ لأن قضايا الدين قضايا حقٍّ فطري يهتدي إليها العقل السليم بفطرته ؛ لذلك وقف المستشرقون طويلاً عند شخصية عمر - رضي الله عنه - .