وقد كان المشركون لما بهرهم أمر الإسلام لاذوا باليهود يسترشدونهم في طرق المجادلة الدينية فكان المشركون يخلطون ما يلقنهم اليهود من المغالطات بما استقر في نفوسهم من تضليل أئمة الشرك فيأتون بكلام يلعن بعضه بعضاً ، فمرة يقولون {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} [القصص: 36] وهو من مجادلات الأميين ، ومرة يقولون {لولا أوتي مثل ما أوتي موسى} [القصص: 48] وهو من تلقين اليهود ، ومرة يقولون {ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ، فكان القرآن يدمغ باطلهم بحجة الحق بإلزامهم تناقض مقالاتهم.
وهذه الآية من ذلك فهي حجة بتنظير رسالة محمد برسالة موسى عليهما الصلاة والسلام والمقصود منها ذكر القرون الأولى.
وأما ذكر إهلاكهم فهو إدماج للنذارة في ضمن الاستدلال.
وجملة {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} تخلص من قصة بعثة موسى عليه السلام إلى تأييد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم والمقصود قوله (من بعد القرون الأولى) .
ثم إن القرآن أعرض عن بيان حكمة الفِتَر التي تسبق إرسال الرسل ، واقتصر على بيان الحكمة في الإرسال عقبها لأنه المهم في مقام نقض حجة المبطلين للرسالة أو اكتفاء بأن ذلك أمر واقع لا يستطاع إنكاره وهو المقصود هنا ، وأما حكمة الفصل بالفِتر فشيء فوق مراتب عقولهم.
فأشار بقوله {بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} إلى بيان حكمة الإرسال عقب الفترة.
وأشار بقوله {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} إلى الأمم التي استأصلها الله لتكذيبها رسل الله.
فتأكيد الجملة بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين منزلة المنكرين لوقوع ذلك حتى يحتاج معهم إلى التأكيد بالقسم ، فموقع التأكيد هو قوله {من بعد ما أهلكنا القرون الأولى} .
و {الكتاب} : التوراة التي خاطب الله بها موسى عليه السلام.
والبصائر: جمع بصيرة ، وهي إدراك العقل.