قال في"الأسئلة المقحمة": ولا يُظن بأن فرعون كان شاكًا في عدم استحقاقه لدعوى الإلهية في نفسه، إذ كان يعلم حال نفسه من كونها أهل الحاجات ومحل الآفات، ولكن كان معاندًا في دعواه، مجاحدًا من غير اعتقاد له في نفسه بالإلهية.
وإنما قال هنا: {لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} وقال في غافر: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} موافقة للفاصلة هنا، وعلى الأصل بلا معارض ثَمَّ.
واعلم: أن فرعون أوهم قومه أن إله موسى يمكن الوصول إليه والقدرة عليه، وهو عالم متيقن أن ذلك لا يمكن له، وقومه لغباوتهم وجهلهم، وإفراط عمايتهم يمكن ذلك عندهم، ونفس إقليم مصر يقضي لأهله تصديقهم بالمستحيلات، وتأثرهم بالموهمات والخيالات، ولا يُشك أنه كان من قوم فرعون من يعتقد أنه مبطل في دعواه، ولكن يوافقه مخافة سطوه، واعتدائه، كما رأيناه يعرض لكثير من العقلاء، إذا حدَّث رئيس بحضرته بحديث مستحيل يوافقه على ذلك الحديث.
ولا يدل الأمر ببناء الصرح على أنه بني، وقد اختُلف في ذلك، فقيل: بناه، وذُكر من وصفه بما الله أعلم به، وقيل: لم يبن. قال أهل السير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح جمع هامان العمال والفعلة، حتى اجتمع عنده خمسون ألف بنَّاء، سوى الأتباع والأجراء، وطبخ الآجر والجص، ونجر الخشب وضرب المسامير، وأمر بالبناء، فبثوه ورفعوه وشيدوه، حتى ارتفع ارتفاعًا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، واشتد ذلك على موسى وهارون, لأن بني إسرائيل كانوا معذبين في بنائه، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، وأمر بنشَّابة فرمى بها نحو السماء فرُدَّت إليه، وهي ملطخة دمًا، فقال قد قتلت إله موسى، وكان فرعون يقصده راكبًا على البراذين، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحيه، فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منه على عسكره، فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة منه في البحر، وقطعة في المغرب، فلم يبق أحد عمل فيه شيئًا إلا هلك إلا من آمن بموسى.
قال أبو الليث: كان بلاط القصر خبث القوارير، وكان الرجل لا يستطيع القيام عليه من طوله، مخافة أن ينسفه الريح، وكان طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع.