قال الرازي: ليس مراده من ادعاء الألوهية أنه خالق السماوات والأرض، والبحار والجبال، وخالق الناس، فإن العلم بامتناع ذلك واضح لكل ذي عقل، بل مراده بذلك وجوب عبادته فهو ينفي وجود الإله، ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا مليكهم، وينقادوا لأمره. اهـ بتصرف.
ثم خاطب وزيره هامان، آمرًا له على سبيل التهكم أمام موسى، ليشكك قومه في صدق مقالته، فقال: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} وهو التراب والماء المختلط؛ أي: أوقد النار على الطين بعد اتخاذه لبنًا، حتى يصير آجرًا، ولم يقل فرعون: اطبخ لي الآجر, لأنه أول من عمل الآجر، ولذلك أمره باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة.
{فَاجْعَلْ لِي} من ذلك الطين الذي توقد عليه حتى يصير آجرًا {صَرْحًا} ؛ أي: قصرًا عاليًا مشرفًا كالمنارة {لَعَلِّي} أصعد إليه و {أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} وانظر إليه واقفًا عليه؛ أي: فاصنع لي آجرًا، واجعل لي منه قصرًا شامخًا، وبناء عاليًا، أصعد وأرتقي إلى إله موسى، الذي يعبده في السماء، ويدَّعي أنه يؤيده وينصره، وهو الذي أرسله إلينا. وبمعنى الآية قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) } .
وإنما حذف هنا {أَتَاهُمْ كَبُرَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ} وذكره في غافر, لأن ما هنا تقدَّمه {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} من غير ذكر أرض، ولا غيرها، فناسبه الحذف، وما هناك تقدمه {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} فناسبه مقابلته بالسماء في قوله: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} .
ثم زاد قومه شكًا في صدقه بقوله: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ} ؛ أي: أظن موسى {مِنَ الْكَاذِبِينَ} في ادعائه أن له إلهًا غيري، وأنه رسوله. قاله تلبيسًا وتمويهًا على قومه، لا تحقيقًا لقوله تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} ؛ أي: وإني لأظنه كاذبًا فيما يدعي من أن له معبودًا في السماء، ينصره ويؤيده، وأنه هو الذي أرسله.