ثم علل هذا بأن سنة الله قد جرت بأن المخذول هو الكاذب، فقال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ؛ أي: إنه لا ينجح الكافرون، ولا يدركون طلبتهم، وفي هذا إيماء إلى أنهم لا يظفرون بالفوز والنجاة، بل يحصلون على ضد ذلك، ولله در القائل من بحر الطويل:
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيْرَةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِيْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالَمِيْنَ خَرَابُ
فائدة: قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ} الآية. قاله هنا بزيادة الباء في قوله: {بِمَنْ جَاءَ} وفي قوله في آخر السورة: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} بدون زيادة الباء، تقوية للعامل هنا بحسب الظاهر، لضعفه عن العمل، لكونه اسم تفضيل، وحذفه هناك اكتفاء بدلالة الأول عليه.
38 - {وَقَالَ فِرْعَوْنُ} بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ} والأشراف؛ أي: يا أيها القوم {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ} في أي زمن {مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} ؛ أي: إلهًا غيري، كما يدَّعي موسى، والأمر محتمل أن يكون، وسأحقق ذلك لكم، وهذا الكلام ظاهره الإنصاف، ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقول لهم بعد ذلك في شأن الإله، وتسليمهم إياه اعتمادًا على ما رأوا من عظيم نصفته في القول؛ أي: ليس لكم إله غيري في الأرض.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"كلمتان قالهما فرعون، قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} وقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} كان بينهما أربعون سنة، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى".
وخلاصة مقاله: لا علم لي برب غيري فتعبدوه، وتصدقوا قول موسى فيما جاءكم به، من أن لكم وله ربًا غيري، ومعبودًا سواي، ونحو الآية قوله: {فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) } وقوله: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) } .