{إِنَّهُ} ؛ أي: إن الشأن والحال {لَا يُفْلِحُ} ولا يظفر {الظَّالِمُونَ} لأنفسهم بإهلاكها في الكفر والتكذيب؛ أي: لا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من محذور، ومن المحذور العذاب الدنيوي، ففيه إشارة إلى نجاة المؤمن وهلاك الكافر، وإلى أن الواجب على كل نفس السعي في نجاتها, ولو هلك غيرها لا يضرها.
وقرأ الجمهور: {وَقَالَ مُوسَى} بالواو، وقرأ مجاهد وابن كثير وابن محيصن: {قال موسى} بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة، ومناسبة قراءة الجمهور: أنه لما جاءهم بالبينات قالوا: كيت وكيت، وقال موسى: كيت وكيت، فيتميز الناظر فصل ما بين القولين، وفساد أحدهما، إذ قد تقابلا، فيعلم يقينًا أن قول موسى هو الحق والهدى، ومناسبة قراءة ابن كثير: أنه إذا كانت الجملة الثانية كالمتصلة بالأولى، لكونها جوابًا لسؤال اقتضته الأولى، تنزل الأولى منزلة السؤال، فتفصل الثانية عنها، كما يفصل الجواب عن السؤال. اهـ."زاده"، كأنه قيل هنا: ماذا قال موسى في جوابهم: فقال: قال موسى ربي أعلم .. إلخ.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف والمفضل: {ومن يكون له عاقبة الدار} بالتحتية، على أن اسم يكون عاقبة الدار، والتذكير لوقوع الفصل، ولأنه تأنيث مجازي. وقرأ الباقون: {تكون} بالفوقية، وهي أوضح من القراءة الأولى.
وعبارة النسفي هنا: أي ربي أعلم منكم بحال من أَهّله الله سبحانه للفلاح الأعظم، حيث جعله نبيًا وبعثه بالهدى، ووعده حسن العقبى، ولو كان كما تزعمون ساحرًا مفتريًا لما أَهَّلَهُ لذلك, لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا ينبئ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون. انتهت.
وفي هذا الأسلوب من أدب الخطاب في الحجاج والمناظرة ما لا يخفى، فهو لم يؤكد أن خصمه في ضلال، كما لم ينسبه إلى نفسه بل ردده بينهما، وهو يعلم أنه لأيهما، وعلى هذا النحو جاء الخطاب من النبي - صلى الله عليه وسلم - للمشركين بقوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .