أي: قال موسى - عليه السلام - تعقيبا على تكليفه بالرسالة، وطلبا لما يعينه عليها، ويقويه كل أدائها كما يفهم من قوله - تعالى: {فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} ولم يقله استعفاء
من الرسالة ورفضا - كما زعم اليهود - قال: يا رب إني قتلت من هؤلاء القوم نفسا حين استنصرني الرجل الذي من شيعتي، فإذا تعرضت لهم ورأوني فإني أخاف أن يقتلوني بقتيلهم، ولا معين لي يمنعني منهم، أو يدفع عني شرهم.
34 - {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} :
أي: وأخى هارون هو أقدر مني على توضيح الحجة ورد الشبهة، وقوة المعارضة - وأنما قال
ذلك لأنه - عليه السلام - كانت به عقدة في لسانه تضعف تعبيره وتعوق بيانه - فأحتاج إلى من يعيننى ويبلغ حجتي، فأرسل معى أخي هارون ردءا وعونا يساعدني على توضيح الدعوة وإبراز الحجة، ويصدقني، ويخلص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل الكفار ويظهر صدقي بتقرير الحجج وتزييف الشبه: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} فلا يسعفنى لساني على محاجتهم ولا يطاوعنى على مقاومتهم، ومعارضة باطلهم.
{قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}
المفردات:
{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} : سنقويك ونعينك.
{سُلْطَانًا} : تسلطا وغلبة بالحجة والبرهان.
التفسير
35 - {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ... } الآية.
استئناف وقع جوابا من الله لسؤال موسى - عليه السلام - بقوله: {أَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا} أي: قال الله - سبحانه - لموسى: سنعينك ونقربك بإجابة مطلوبك، حيث نشد عضدك بإرسال أخيك هرون معك.
وشدة عضده كناية عن تقويته لأن الجسد يشتد بشدة العضد - وهو ما بين المرفق إلى الكتف وقوله تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} معناه: ونجعل لك ولأخيك تسلطا وغلبة عليهم فلا يقوون على تكذيبكم، وتمتنعون عليهم فلا يصلون إليكما باستيلاء أو محاجة.