إذا نلت العطيّة بعد مطل ... فلا كانت، وإن كانت جزيله
فسقيا للعطية ثم سقيا ... إذا سهلت، وإن كانت قليله
وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله
ومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... وداراهم مداراة جميله
إذا وضعوا مكاويهم عليه، ... وإن كذبوا، فليس لهنّ حيله
وقالوا: «مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها» .
ومما قالوا في صفة اللسان قول الأسدي، أنشدنيها ابن الأعرابي:
وأصبحت أعددت للنائبا ... ت عرضا بريئا وعضبا صقيلا
ووقع لسان كحد السنا ... ن ورمحا طويل القناة عسولا
وقال الأعشى:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
الملحب: القاطع.
الخفاجي: رجل اسكاف منسوب إلى خفاجة.
وقال ابن هرمة:
قل للذي ظل ذا لونين يأكلني ... لقد خلوت بلحم عادم البشم
إياك لا ألزمن لحييك من لجمي ... نكلا ينكل قرّاصا من اللجم
إني أمرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفّاي، لكن لساني صائغ الكلم
وقال الآخر:
إني بغيت الشعر وابتغاني ... حتى وجدت الشعر في مكاني
في عيبة مفتاحها لساني
وأنشد:
إني وإن كان ردائي خلقا ... وبرنكاني سملا قد أخلقا
قد جعل الله لساني مطلقا
[الفصاحة واللحن]
قال أبو عثمان: والعتّابيّ حين زعم أن كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ فلم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، إنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه. ونحن قد فهمنا معنى كلام النبطي الذي قيل له: لم اشتريت هذه الأتان؟ قال: «اركبها وتلد لي» . وقد علمنا أن معناه كان صحيحا.
وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لأهل مجلسه: «ما من شر من دين» وإنه قال حين قيل له: ولم ذاك يا أبا فلان؟ قال: «من جرّى يتعلقون» . وما نشك أنه قد ذهب مذهبا، وأنه كما قال.
وقد فهمنا معنى قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟ قال: «شريكاننا في هوازها، وشريكاننا في مداينها. وكما تجيء نكون» . قال الحجاج: ما تقول، ويلك! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها.