قال الأزهري: وأكثر المفسرين ذهبوا في قوله: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} أنه بمعنى الرهبة، ولو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًا لذهبت إليه؛ لأنه أشبه بالتفسير، وأليق بمعنى الكلام، والله أعلم بما أراد. هذا كلامه. وهو متناقض؛ لأنه حكى عن مقاتل أنه قال في الرهب: إنه كُم مِدْرَعَتِه. ثم قال: لو وجدت إمامًا من أهل التفسير يجعل الرهب كُمًّا لذهبت إليه.
ثم قال: لأنه أشبه بالتفسير، وليس الأمر على ما ذكر؛ كيف يكون أشبه ولا معنى لقولك: واضمم إليك جناحك من الكم وكيف يكون ما ذكر أشبه بالتفسير؛ وقد قال مِقْسم في قوله: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} إنما قيل: في جيبك؛ لأنه لم يكن له كم، كانت زُرْمَانقة.
وذكر المفسرون: أن موسى كانت عليه تلك الليلة مِدْرَعة من صوف مُضَرَّبة، لا كُمَّ لها. وإذا صح هذا فكيف يجوز أن يحمل الرهب على الكم؟ مع أنا لو ارتكبنا هذا لم يخرج للكلام معنى صحيح. وروى حفص عن عاصم {مِنَ الرَّهْبِ} بفتح الراء وجزم الهاء، وهو لغة في: الرَّهَب الذي هو بمعنى: الكُم.
وقوله: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} يعني اليد والعصا، حجتان من الله تعالى لموسى على صدقه. وقُرئ {فَذَانِكَ} بتخفيف النون وتشديده.
قال أبو عبيد: كان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد من بين إخوانه. ويحكى أن التشديد لغة قريش، قال أبو إسحاق: التشديد يشبه ذلك، والتخفيف يشبه ذاك، جعل بدل اللام في ذلك تشديد النون في: {ذَانَّكَ} . وهذا قول الأخفش؛ قال: أدخلوا التثقيل للتأكيد، كما أدخلوا اللام في ذلك. وهذا مما قد تقدم القول فيه في سورة النساء.
وروى شِبل عن ابن كثير: {فَذَانِيكَ} خفيفة النون بياء؛ كأنه أبدل من الثانية الياء كراهية التضعيف، كما أنشد أبو زيد:
فآليت لا أَشْرِيه حتى يَمَلَّنِي ... بشيء ولا أمْلاهُ حتى يُفارقا