قال أبو المعالي: وأهل المعاني وأهل الحق يقولون مَن كلمه الله تعالى وخصّه بالرتبة العليا والغاية القصوى ، فيدرك كلامه القديم المتقدس عن مشابهة الحروف والأصوات والعبارات والنغمات وضروب اللغات ، كما أن مَن خصه الله بمنازل الكرامات وأكمل عليه نعمته ، ورزقه رؤيته يرى الله سبحانه منزّهاً عن مماثلة الأجسام وأحكام الحوادث ، ولا مثل له سبحانه في ذاته وصفاته ، وأجمعت الأمة على أن الرب تعالى خصص موسى عليه السلام وغيره من المصطفين من الملائكة بكلامه.
قال الأستاذ أبو إسحاق: اتفق أهل الحق على أن الله تعالى خلق في موسى عليه السلام معنى من المعاني أدرك به كلامه كان اختصاصه في سماعه ، وأنه قادر على مثله في جميع خلقه.
واختلفوا في نبينا عليه السلام هل سمع ليلة الإسراء كلام الله ، وهل سمع جبريل كلامه على قولين ؛ وطريق أحدهما النقل المقطوع به وذلك مفقود ، واتفقوا على أن سماع الخلق له عند قراءة القرآن على معنى أنهم سمعوا العبارة التي عرفوا بها معناه دون سماعه له في عينه.
وقال عبد الله بن سعد بن كلاب: إن موسى عليه السلام فهم كلام الله القديم من أصوات مخلوقة أثبتها الله تعالى في بعض الأجسام.
قال أبو المعالي: وهذا مردود ؛ بل يجب اختصاص موسى عليه السلام بإدراك كلام الله تعالى خرقاً للعادة ، ولو لم يُقَلَ ذلك لم يكن لموسى عليه السلام اختصاص بتكليم الله إياه.
والرب تعالى أسمعه كلامه العزيز ، وخلق له علماً ضرورياً ، حتى علم أن ما سمعه كلام الله ، وأن الذي كلّمه وناداه هو الله رب العالمين.
وقد ورد في الأقاصيص أن موسى عليه السلام قال: سمعت كلام ربي بجميع جوارحي ، ولم أسمعه من جهة واحدة من جهاتي.
وقد مضى هذا المعنى في"البقرة"مستوفى.
{أَن يا موسى} {أَنْ} في موضع نصب بحذف حرف الجر أي ب {أَنْ يَا مُوسَى} .
{إني أَنَا الله رَبُّ العالمين} نفى لربوبية غيره سبحانه.